إذا أردت أن يتفاعل معك الطفل كوني قريبة منه وانزلي إلى مستواه لتقابليه وجهًا لوجه.
فإذا تعاملت مع الطفل دون النزول إلى مستواه يراوده شعور مثل شعورنا عندما نكون في الطابق الأرضيّ وينظر إلينا شخص من الطابق الأعلى ويحدثنا طالبًا التّفاعل معه في الحديث, ولئن تفاعلنا معه قليلًا فإنّه سيصعب الاستمرار في ذلك، أو مثل شعورك وأنت جالس على كرسيّ، بينما يقف أمامك شخص ما ليناقشك في موضوع ما، فإنّك سرعان ما تطلب منه الجلوس لكي يسهل الحديث معه. نقوم بهذه الأفعال وينتابنا هذا الشعور على الرّغم من أنّنا بالغون ولدينا مهارات تواصل ممتازة ومًتمكنين من اللغة أيضًا إلّا أنّنا نتأثر كثيرًا إذا لم نقابل مُحدثنا وجهًا لوجه فكيف بطفل تواصله في الأصل ضعيف؟
أثناء التّدريب احرصي على ما يلي:
مثال: فهد منسجم بلعبته علقت والدته على لعبته وهي واقفة بجانبه ولم ينتبه إلى وجودها وكأنه لا يسمعها, فجلست بجانبه, حينئذ انتبه إلى وجودها، ولكنه لم يهتمّ لها كثيرًا, ثمّ قامت الأم وجلست أمامه وقابلته وجهًا لوجه، فانتبه إليها، وابتسم، ثمّ أعطاها اللعبة لتلعب معه.
تكمن أهميّة الانتظار في أن الطفل يحتاج إلى وقت ليرتب أفكاره ويستوعب أنه يحتاج إلى أن يتواصل مع الآخرين كي يحصل على مراده، فإذا قمت بما يريد دون أن تنتظري طلبه سيعتمد عليك ما دمت تقومين بمراده، كلّ مرّة، دون أن يطلب.
والانتظار سرّ من أسرار التّواصل فهو مثل السحر لتعزيز التّواصل كما وصفته الأمهات اللاّئي عملت معهنّ فبعد أن توفري فرصة الطلب للطفل انتظريه بهدوء ليطلب.
مثال: تعتقد والدة فهد أن ابنها لا يطلب منها. فأخبرتها أنّها تحتاج إلى أن تنتظر لتعطيَ طفلها فرصة ليطلب. وعندما كنت أتحدث مع الأم، كان ابنها يحاول فتح الباب، ولكنه لم يستطع. فبدأ بالبكاء فذهبت لتفتح له الباب ولكن طلبت منها أن تنتظر فانتظرت لمدّة 10 ثوان ولم يطلب فهد. فقالت لي: انظري إنه لا يطلب. فطلبت منها أن تنتظر لمدّة أطول، ففوجئت والدته لأنه بعد مضيّ 20 ثانية اقترب منها وسحبها إلى الباب، فأخبرت الأم بأن تستجيب وتفتح له الباب.
من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهل هي ترديد الأمر على الطفل عدة مرات بدلًا من انتظاره ليستجيب اعتقادًا منهم بأن ترديد الأمر أكثر من مرة سيساعد الطفل على فهم الأمر، والحقيقة أن تكرار الأمر بهذا الشكل يشوش الطفل ويقلل من نسبة استجابته.
بحكم عملي كمعلمة فإن من أهم المهارات التي يجب أن تتحلى بها المعلمة هي إعطاء الطالبة فرصة لاستيعاب السؤال، فإذا لم تعرف الإجابة أساعدها لمعرفة الجواب. هذه القاعدة الذهبية التي أستخدمها مع طالباتي نسيتها عند تعاملي مع ابني ضعيف التواصل، فكنت أردد الأمر عليه عدة مرات دون إعطائه فرصة لاستيعاب الأمر، فترديد الطلب أو السؤال يشتت الشخص وينفره فما بالك بطفل تواصله ضعيف؟!
وتختلف مدة الانتظار من طفل إلى آخر وتكون تقريبًا ما بين 5-10 ثوانٍ فإن لم يستجب حينها فقومي بمساعدته ليطلب
يتأثر الطفل بالمسافة بينك وبينه خصوصًا الأطفال ذوي التّواصل الضعيف جدًّا. فإذا كان الطفل نادرًا مّا يطلب، يعتبر من أساسيّات نجاح التّدريب أن تكوني قريبة جدًّا منه لتسهلي عليه الأمر، فكلّما زادت المسافة بينك وبينه تاه الطفل وأصبح من الصعب عليه الطلب. لذلك في بداية التّدريب كوني قريبة جدًّا منه وبعد ذلك ابدئي بزيادة المسافة بينك وبينه تدريجيًّا.
مثال: كانت والدة عليّ تدرّبه على أن يطلب "الفشار" منها وكانت تجلس قريبة جدًّا منه وتقابله وجهًا لوجه. وكان التّدريب ناجحًا، فقد كان يمسك بيدها في كل مرّة يطلب منها. وفي بعض الأحيان كان ينظر إليها ولكن والدة عليّ تعبت من الجلوس على الأرض فانتقلت إلى الأريكة، فانسحب عليّ ولم يكرّر الطلب على الرّغم من أنه يريد الفشار. وهذا يعني أنّ عليًّا ما زال بحاجة إلى أن تكون والدته قريبة منه ليطلب منها، لذا نصحتها أن تنزل إلى مستواه وتبتعد عنه تدريجيًّا على أن تحافظ على البقاء في مستواه. وبعد فترة من التّدريب أصبح بإمكان عليّ المجيء إلى والدته وهي في نهاية الغرفة وأصبح يطلب منها ما يرغب فيه.
عندما تشتكي لي إحدى الأمهات أن ابنها لا يطلب منها أكاد أجزم لها بأنّها ليست قريبة منه بما فيه الكفاية وأراهنها على ذلك. وغالبًا ما ترى الأم نفسها قريبة من ابنها ولكن قد تكون المسافة بينهما بعيدة في نظر الطفل ولا تكفي لتشجيعه على الطلب، وسرعان ما يطلب منها بمجرد اقترابها أكثر.
إذا أردت أن يتواصل طفلك معك ويطلب منك، استغلي الأشياء التي يحبها واستخدميها أثناء التّدريب وكلما كان الشيء محببًا إلى الطفل كان التّدريب أفضل. بعض الأمهات يدرّبن الطفل على زيادة عدد طلباته باستخدام لعبة تعليميّة لا يحبها الطفل ولا يستمتع بها وهذا بدوره ينفّر الطفل ويقلل من تطوّره، لأنّنا إذا أردنا أن يطلب منا ويتواصل معنا فيجب علينا أن نبحث عن الأشياء التي يحبها ويريدها وإن كانت شيئًا بسيطًا وبلا أهميّة مثل منديل أو ملعقة. فالمهمّ هنا أن يكون شيئًا محببًا له.
ولا أقصد أن الألعاب التعليمية غير مفيدة للطفل بل على العكس تمامًا هي مفيدة جدًّا ولكن أثناء تدريب الطفل على التّفاعل معك وزيادة عدد الطلبات يجب أن نبحث عن شيء يحبه الطفل فإذا كان الطفل يحبّ اللعبة التعليمية ويستمتع بها فهي طريقة ممتازة لزيادة عدد طلباته.
من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الأهل وضع هدف أعلى من مستوى الطفل، فالأمّ تتوقع من طفلها أن يتكلم دون أن تنتبه إلى أن هناك مراحل يجب أن يتمكن منها الطفل قبل الكلام. ونجاح التّدريب يجب أن يعتمد على خطوات صغيرة يتدرج خلالها الطفل شيئًا فشيئًا ليكون التّدريب أسهل وأنجح ولا تصاب الأمّ بالإحباط. يذكرني من لا يتدرج في الأهداف مع طفله بالذي يبدأ بحمية غذائية ويضع لنفسه هدفًا إنقاص 10 كيلوغرامات في الأسبوع الأوّل فمثل هذا الطلب العالي قد يجلب له الإحباط.
مثال: كنت مع إحدى الأمهات في السيّارة وكانت تشتكي من أن طفلها الذي يبلغ من العمر سنة لّا يطلب شيئًا إطلاقًا. وكان طفلها يجلس في كرسيّ السيّارة ويشاهد فلمًا كرتونيًّا على الشاشة المعلقة في سقف السيّارة، قمت بإغلاق الشاشة وانتظرت، فبدأ الطفل يبكي وقد حرصت على أن أكون قريبة منه لأسهل عليه مهمّة الطلب، وبعد فترة ضربني بيده فاستجبت مباشرة وفتحت الشاشة وقلت له: (كرتون)، وأنا مبتسمة له وبينت له أنني سعيدة بطلبه وفتحت الشاشة.
بعد قليل أغلقت الشاشة وبكى مرّة أخرى، ولكن لمدّة أقصر ثمّ ضربني مرّة أخرى ولكنه هذه المرّة استغرق وقتـًا أقصر ليطلب فاستجبت مباشرة وقلت له: "كرتون" (استجابة أسرع).
وبعد فترة أغلقت الشاشة هذه المرّة استجاب مباشرة وضربني دون أن يبكي (تحسنت الطريقة لأنه لم يبكِ).
بعد فترة أغلقت الشاشة ولكني ابتعدت عنه قليلًا فضربني واستجبت له بالطريقة السّابقة نفسها.
بعد فترة أغلقت الشاشة وابتعدت أكثر فاستجاب، ولكن هذه المرّة أمسكني بدلًا من أن يضربني (طريقة أفضل).
بعد فترة أغلقت الشاشة وابتعدت أكثر والتفت إلى الشباك فأمسكني ولم أستجب لطلبه، فسحب يدي وأصدر صوتـًا ليطلب.. (طريقة أفضل).
أثناء ذلك التّدريب كنت في كل مرّة يطلب مني أستجيب له وأنا مبُتسمة وأحرص على أن أبيّن له أنني سعيدة كل هذا حدث في موقف مدته 15 دقيقة وقد علقت والدته: لم أنتبه مطلقًا إلى هذه التفاصيل. بالفعل كان طفلي يتطور ولكن لم أنتبه إلى تطوره فقد كان كلّ همّي أن يتكلم. بطلبه وعلى أن أسمعه أفكاره بكلمة: "كرتون".
تلاحظون أنني تدرجت في الهدف بخطوات صغيرة، ففي البداية كان يبكي لمدّة طويلة عندما أغلق الشاشة ولكن في المرّة التالية بدأت تقلّ مدة البكاء إلى أن أصبح لا يبكي، بل يمسكني مباشرة ويعتبر هذا تطورًا، لأنّه بدأ يطلب دون أن يبكي. هنا قرّرت أن أطور الهدف ليطلب مني من مسافة أبعد ولكني لم أبتعد كثيرًا فقد كنت أتدرج في الابتعاد عنه لأني إنِ ابتعدت كثيرًا لن يطلب مني، بل سينسحب ويشغل نفسه بأيّ شيء آخر أو يبكي بلا توقف، لأن الطلب بالنسبة إليه من مسافة بعيدة صعب عليه، لذلك أثناء وقت التّدريب يجب أن تنتبهي إلى التفاصيل الصّغيرة في تطور طفلك وتعتبرينها خطوة إلى الأمام.
يلبي الأوامر بمساعدة جسدية كاملة => يلبي الأمر بمساعدة جسدية جزئية => يلبي الأمر بالتأشير => يلبي الأمر دون تأشير
أين عصير
يحضر العصير => يشير إلى صورة العصير من ضمن مجموعة صور => يشير إلى العصير إذا كان بعيدًا => يعرف العصير بمختلف أشكاله => ينطق كلمة عصير
الجوال
يطلب الجوال باستخدام إشارة أعطني =>يطلب الجوال بمد صورة=> يطلب الجوال بالتأشير بأصبعه إذا كان بعيدًا =>يطلب الجوال بنطق كلمة (جوال)=> يستخدم جملة من كلمتين (أعطني الجوال)
أغلب الأطفال يتعلمون المهارات الجديدة بملاحظة الآخرين ثم تقليدهم، ولكن إذا كانت المهارة صعبة عليهم فهم يحتاجون لمساعدة جسدية ليتعلموا المهارة بشكل أسرع، أما الطفل ضعيف التواصل فمهارات التقليد لديه محدودة، لذلك هو يحتاج دائمًا إلى مساعدة جسدية ليتعلم المهارة بشكل أسرع.
عند تدريب الطفل على مهارة جديدة وليتعلم بشكل أسرع أمسكي يده وساعديه ليتعلم المهارة المطلوبة، فإذا بدأ الطفل بتعلم المهارة قللي المساعدة الجسدية بالتدريج.
أسمعيه أفكاره وقولي ما يفكر فيه فهذه الطريقة عنصر أساس من عناصر التّدريب (وسأشرح أسمعيه أفكاره في الباب التالي بالتفصيل)، وسوف تلاحظون أنني أعتمد كثيرًا طريقة: “أسمعيه أفكاره” في مواقف كثيرة في التّدريب نظرًا لأهمّيتها. و يكون إسماع الطفل أفكاره بقول الكلمة التي من المفترض أن يقولها إن كان يستطيع.
معظم كتب تربية الأطفال تنصح الأهل بتشجيع أطفالهم عند تعليمهم أشياء جديدة وذلك كي يستمروا في العمل بها. ويعتبر تشجيع الطفل عند الطلب حلقة أساسيّة من التّدريب ليعرف الطفل أنّنا سعداء بالمحاولة التي قام بها وليتشجع ويقوم بالطلب والتّواصل معنا دائمًا.
وبعد أن يطلب الطفل “أسمعيه أفكاره”، بيني له أنك سعيدة بطلبه وذلك بأن تبتسمي له وقولي أفكاره بنبرة متفهّمة وكأنك تقولين له (فهمت قصدك).
بعض الأطفال يتعامل مع من حوله وكأنهم آلات فهو يأتي إلى والدته ويطلب منها وتعطيه ما يريد دون أن تبين له أنّها فرحت بطلبه. وبهذا الفعل كأنّها تؤكد له أنّها بالفعل مثل الآلة، ولكنّها إن تفاعلت وبيّنت له أنّها سعيدة بتواصله، فقد ينتبه إليها وتعامل معها باعتبارها شخصًا، لا آلة.
إذا طلب منك دون أن تبيّني له سعادتك بطلبه فسيستمر يطلب منك في المواقف التي يضطرّ فيها إلى الطلب فقط. أمّا إذا شجعته فسيطلب منك دائمًا.
إذا لم يطلب منا الطفل ولم يتواصل فهذا لا يعني أن الطفل لا يحبنا أو لا يريدنا فهو ببساطة لا يعرف كيف يتواصل معنا ولا يعرف أنّ لأفعاله تأثيرًا فينا، لذلك نحن نحاول في التّدريب أن نساعد الطفل على أن يربط ويفهم أنّ لأفعاله أثرًا كبيرًا فينا، وهذا يجعله يتشجع ويتطوّر أكثر فأكثر.
مثال: طارق لا يطلب من والدته كثيرًا. فقرّرت أن توفر له فرصة ليطلب منها. فاستغلت حبّه للتفاح وأعطته قطعة صغيرة. فأخذها وأكلها. ثمّ انتظر أن تعطيه قطعة ثانية، إلا أنّها انتظرت أن يطلب منها ذلك. وعندما يئس ولم تعطه قرّر أن يطلب منها: فمدّ يده وسحب يدها. فابتسمت له، وأسمعته أفكاره، وقالت له: (تفاح). ولكنّها لم تعطِه قطعة التفاح مباشرة، بل انتظرت لمدّة أطول، فبكى طارق وغضب ولم يأخذ التفاح.
لأن والدة طارق حين لم تعطه التفاح بعد ما طلب منها مباشرة، كأنّها أرسلت إليه رسالة تعني أنّ أفعالك ليس لها أهميّة سواء طلبت أو لم تطلب. وإذا واصلت هذه الطريقة، فلن يتطور طارق بسرعة، لأنه لم يفهم العلاقة بين الفعل وردّة الفعل، لذلك كان يجب على والدته أن تستجيب مباشرة بعد أن طلب، وتعطيه ما يريد.
مثال: بعد أن عرفت والدة طارق أنّ على طارق أن يتعلّم الفعل وردّة الفعل، أمسكت صحن التفاح وانتظرته ليطلب. فمدّ يده وسحب يدها. فابتسمت له أسمعته أفكاره وقالت له (تفاح) وأعطته القطعة مباشرة، هنا استطاع الربط بين الطلب (الفعل) وأخذ قطعة التفاح (ردة الفعل).